الأربعاء، 28 أغسطس 2013

البحث عن البطل !


البحث عن البطل !

اندريا: ويل للأمة التي لا أبطال فيها !
جالليو: لا ! الويل للأمة التي في حاجة إلى أبطال.
(برتولد بريشت، مسرحية حياة جالليو)

   التطلّع إلى بطل ظاهرة ترتبط بالمجتمعات التي لم تتطور فيها الشروط المادية والموضوعية للحياة الحديثة، لكي يتمتع أفراده بمستوى معين من الوعي والاستقلال الذاتي! فيفتقرون إلى ما يجعلهم يشعرون بأنهم مسؤولون ومتحكّمون بحيواتهم ومصائرهم وأقدارهم، ومستقلون إلى الحد الذي يجعلهم في غنى عن التماس الرعاية والوصاية من زعيم أو قائد.. الخ (بطل)، يحقق لهم ما هم عاجزون عن تحقيقه لأنفسهم وبأنفسهم. هذه الظاهرة رافقت معظم المجتمعات الأبوية ما قبل الحديثة، أي تلك المجتمعات التي لم تنتقل إلى مرحلة الصناعة الحديثة الواسعة ولم تدرك أفكار وقيم ما أصطلح عليه بـ ((الحداثة)). يمكن لأفراد هذه المجتمعات أن يرتضوا بفرد منهم للقيام بأعباء تصريف شؤونهم العامة، وتقرير مصائرهم، وأحيانا يتلهفون! فيطلبونه ويسمونه بطلاً ومنقذاً ومخلّصاً، وبقدر ما يسبغون عليه من صفات تقترب من القداسة في أكثر الأحيان، فانهم يُفقرون ذواتهم وينزلونها منزلة (الرعية) التي تلهث وراء (راعٍ) ليرعاها!. ولكن هل أن مجتمعاً كهذا يستحق تسمية مجتمع بالمعنى الحديث للمجتمعات؟ إن المجتمعات الحديثة (وهي التي انتقلت من النمط الاقطاعي- الزراعي إلى النمط الرأسمالي- الصناعي للانتاج) بشكلها النموذجي الاوربي الكلاسيكي وما تبعها من مجتمعات في باقي المناطق.

   ترافق هذا الانتقال بتغيّر شكل العلاقة السياسية  والحقوقية بين الافراد حكاماً ومحكومين في إطار (الدولة – الامة) التي تحكمها صيغة دولة القانون. فكان ظهور فكرة (المواطن) والمساواة أمام القانون (على الأقل نظرياً)، وتراجع فكرة (الراعي والرعية)، وكان هذا هو الانجاز الابرز على الصعيد الفكري والسياسي للثقافة البورجوازية. فقد صار الانسان ((حرا)) قانونيا وهو من اهم شروط ومتطلبات المجتمعات الصناعية الحديثة لتحرير الفلاح والحرفي من الروابط الشخصية التي كانت تربطه بالارض والاقطاعي وصاحب العمل، للانخراط في عملية الانتاج الصناعي الرأسمالي. و كان من ابرز من تغنّى بهذا الانجاز التاريخي في بدايته وطوره التقدمي الصاعد (وعلى العكس مما يتصور الكثيرون) هو الناقد الجذري الاكبر للرأسمالية، كارل ماركس على اساس ان هذا التطور خطوة تاريخية متقدمة للانتقال والتحول من النمط الاقطاعي إلى النمط الرأسمالي.

   فهل يحق للأفراد الذين يستدعون الحاكم (البطل) أن يناقضوا انفسهم؟! حينما يخلطون هذه الدعوة مع رفع شعارات تطالب بمفاهيم حديثة مثل الحريات المدنية وشروط حياة عصرية، من أسسها الاولى نقض الافكار والمبادئ للمجتمعات الزراعية الأبوية وتراتبياتها وبنيتها الفكرية وأيديولوجيتها وقيمها..الخ. إن تناقضا صارخا بات يسم الخطاب الفكري والسياسي للحراك الذي جرى ويجري في المنطقة. وهذا التناقض صار واضحا جدا في (ظاهرة الربيع العربي) وما تعانيه من مآزق وعدم وضوح في المبادئ والمنهج والاسس الفلسفية التي اختلط فيها الحداثي بالأصولي بشكل يثير الرثاء. أن التشوش الفكري والتداخلات الأقليمية والدولية الذي رافق هذه الظاهرة هو الذي جعلها تنزلق إلى المصير الذي انتهت إليه في العديد من البلدان. ((ان القوى التي تسلمت السلطة السياسية بات واضحا انها تسعى للهيمنة على مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى ويبدو ان المؤسسة العسكرية من اهم الأهداف التي يجب السيطرة عليها باعتبارها الهدف الأخير لكل هيمنة سياسية فمن يضع يده عليها يكون قد احكم هيمنته وسيطرته على الدولة والمجتمع كليا..... ان المعركة الان باتت معركة ((الهيمنة)) مهما بدا ان المؤسسة العسكرية تطرح نفسها كعامل ((حيادي)) في الصراع وهي تريد ترتيب الأوضاع السياسية وفق الرؤية التقليدية.))(1). هذا ما تفجر بمصر مؤخراً (وتلوح ملامح مسار مماثل بتونس)، فالحراك الثوري الذي انتهى بتصدّر قوى سياسية رجعية المشهد السياسي وتسلّم السلطة، يتم الآن التخلص منه مع دعوات باتت صريحة لاستدعاء (البطل) لانقاذ (الربيع العربي) من المأزق الذي انتهى إليه، فما عدا مما بدا! إن استحضار دورالرئيس الراحل جمال عبد الناصر بمصر ومحاولة استعادة تجربة تاريخية مختلفة في السياق الذي حدثت فيه، ومحاولة استنساخها في الوقت الحاضر المختلف كليا، محليا واقليميا ودوليا، يذكرني كل هذا بكتاب ماركس ( الثامن عشر من برومير لويس بونابرت)، فهل المسار يمضي من جنرال ((مأساة)) إلى جنرال ((ملهاة))؟! وفي واحدة من استبصارات هيغل الفلسفية اللامعة يقول ((..أنّ الآن إنّما هو على الحصر هذا: لم يعد الآن من حيث هو يكون..... لكن الذي كان لا يكونُ... ))(2)، وإن كان فسيكون على شكل ((مسخرة)) على حد تعبير ماركس.

   ما أسهل التمنّي وما أصعب التوقّع! انّ الأزمة في منطقتنا أعمق من أن تحلّها النوايا الطيبة والتمنيات، فالأزمة أزمة بنيوية عميقة ومترسّخة في أعماق الأسس الوجودية لمجتمعاتنا، تبدأ بالأقتصاد ولا تنتهي بالثقافة، فهي متداخلة ومتشابكة مع مجمل أزمات عالمنا المعاصر وعلاقاتنا التي لا فكاك منها مع العالم والعوامل التي تحكمه وتحكمنا، شئنا أم أبينا. إن ارتباط دولنا بالأقتصاد العالمي وخضوعها لشروط التقسيم الدولي للعمل، جعلها إمّا مصدرا للمواد الخام (وأهمها اليوم هي الطاقة من نفط وغاز) وسوقاً واسعة للمنتجات الصناعية لمصانع العالم، أو منتجة للخدمات وخاصة السياحية. وهذا الارتباط بالأقتصاد العالمي الصناعي كان من أهم آثاره تدمير الأقتصادات الطبيعية المحلية، خاصة الزراعية (( وهذا الذي نحياه اليوم يذكرنا بالفشل الذريع الذي آلت إليه هذه السياسة السلطوية لأنظمة الحكم التي تصدرت الحياة السياسية على امتداد القرن العشرين. وفشلها الأكبر كان الإخفاق في تحقيق الحداثة الحقيقية لمجتمعاتنا، فقد اكتفت بـ (حداثة هشة) نخبوية في مراكز المدن، التي كانت جزراً منعزلة وسط محيط من التخلف الذي لم يُحدّث. وما أن ارتبطت الاقتصادات المحلية بالنظام الرأسمالي العالمي حتى تبدّدت مستسلمة لمنطق السوق، فهُجرت الحقول وتوالت أفواج المهاجرين من الريف إلى المدن، حتى أغرقت المدن (جزر الحداثة الهشة) واستدعت كل القيم الماضوية من أعراف قبلية وتصورات دينية ضيقة ومتعصبة، ولم تصمد المدن طويلاً بل سقطت ونكصت على أعقابها إلى ما قبل ما ظنته حداثة حقيقية ازدهرت ذات يوم ولن تهزم. وزاد الأمر سوءا تحول اقتصادات معظم دول المنطقة إلى اقتصادات ريعية، تنتج مصادر الطاقة للأقتصاد العالمي، أو خدمات التسويق لمنتجات الشركات الكبرى، أو خدمات سياحية (بمختلف أشكالها وألوانها!). فلم تجد الجموع المهاجرة من الريف التي هجرت حقولها، عملاً منتجاً حقيقياً كالمصانع. فباتت تهيم في المدن تنتظر الفتات من الأقتصاد الريعي الذي تقبض عليه السلطةالسياسية (كموظفين وملحقين غير منتجين بالجهاز الحكومي للدولة). وهذا هو الأصل والمحرك الاقتصادي لكل الشموليات التي شهدتها وتشهدها دولنا. ))(3)

   إن الأساس الموضوعي لما يجري في المنطقة هو هلامية القوى الأجتماعية، بحكم افتقاد المنطقة إلى إنتاج حقيقي وخضوعها لشروط الأقتصاد الريعي والخدمي والأستهلاكي. إن هذه الكتلة البشرية الهائلة والهائمة والمقصية عن موقع واضح لها في عملية (إنتاج) فعلي، والذي هو في حقيقته (اللاإنتاج)، قوة العمل المعطلة هذه يصعب تحديدها أجتماعيا لأنها خارج سياق أي نشاط أقتصادي محدد ومعروف. وبالتالي يصعب كذلك تحديد نشاطها وحراكها الثوري، ومثلما هي قوة عمل معطلة وصعبة التحديد أجتماعياً، كذلك هي طاقة ثورية ممتنعة على التعريف وفق مصطلحات ومفاهيم السياسة الحديثة، وخاصة ما يدخل منها في سياق التحركات والأنتفاضات الثورية. وهذا يجعلها تمضي في مآلات غير واضحة أو محددة ولا تحقق أهدافها التي أعلنتها وهبّت لتنفيذها نظراً لتشتتها وانعدام وضوح الرؤية ومركز قرار يحدد أولويات عملها. من هنا ليس لنا إن نستغرب إذا ما صادفنا تعبيراً ملتبساً مثل الذي جاء به الأستاذ يوسف زيدان ((فقه الثورة))، ان ظهور مفاهيم كهذه ذات دلالة كبيرة في مغزاها تؤشر مدى الارباك الذي يواجه الفكر في تعاطيه مع واقع اقتصادي واجتماعي غير محدد الملامح في مجتمعات اختلطت فيها طرائق الحياة وتشوشت وتداخل فيها القديم والحديث بشكل مربك. فمصطلح ((فقه)) ينتمي إلى منظومة فكرية وأيديولوجية وقيمية قديمة هي من منتجات مجتمعات أبوية ما قبل صناعية (نشاطها الاقتصادي الغالب هو الزراعي)، ومصطلح ((الثورة)) بمفهومها الحديث ينتمي إلى منظومة فكرية وأيديولوجية وقيمية حديثة ومختلفة  (نشاطها الاقتصادي الغالب هو الصناعي)، ومجتمع يتم تحديد طبقاته وفئاته وقواه الاجتماعية طبقا لموقعها من الانتاج بوضوح كبير، مما ينعكس وضوحا فكريا ومفهوميا في تناول الظواهر الاجتماعية. من هنا ندرك مدى الارباك والارتباك الذي يجابه الفكر، والذي هو في حقيقته انعكاس لاختلاط الواقع الاقتصادي والاجتماعي، الذي يتجاور فيه الحديث والقديم بشكل يسبب دوارا ويشل قدرة العقل على التحليل في ظل غياب المفاهيم التي تتعامل مع ظواهر هذا الواقع الملتبس. فيمتزج ((العلمي)) بـ ((الغيبي)) ما يمثل مفارقة كبيرة، إنْ على مستوى الممارسة أو النظرية، في معالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية، وقد تجسد هذا عملياً في تسنم قوى محافظة ورجعية لزمام الممارسة والسلطة في الدول التي شهدت (ظاهرة الربيع العربي)، مجهضة بذلك حركات الأحتجاج ومبددة الطاقات الثورية التي حركتها في البداية. وكل ذلك ليس بمعزل عن القوى الاقليمية والدولية (( فحقيقة السياسات العالمية وخاصة الإدارة الأميركية أنها قد انتهجت استراتيجية جديدة في المنطقة وانتقلت من سياسة احتواء الحكام الى سياسة احتواء الثورات ؟! وهذا ما نجحت فيه. فالتخلي عن حاكم تقليدي حليف لا يعني التخلي عن المصالح بل هو تكييف للسياسات وفق المتغيرات التي تشهدها المنطقة والامساك بمسارات التغيير والتحكم به من خلال التحالفات مع الأنظمة والقوى المحافظة في المنطقة وضمان اكيد لهذه المصالح بدل الوقوف ضد التحركات الجماهيرية الاحتجاجية ))(4)

   هكذا نفهم تلك الحركة الدؤوبة والرسل والرسائل التي باتت تنهال على مصر بعد تحركها الأخير ضد سلطة (( الاخوان المسلمين))، وهو التحرك الذي أربك الاستراتيجية الاميركية وأحرج ترتيباتها لتحقيق مشروع ((الشرق الاوسط الكبير)). وللمرء أنْ يتوقع عدم استسلام الادارة الاميركية لهذا التعثر الذي أصاب جهودها في المنطقة، وليس مستغربا أن تلجأ إلى سياسة البدائل المتاحة لهذه الخسارة التي منيت بها بمصر، والجبهة المرشحة لتعويض هذه الخسارة هي سوريا التي سيجري الضغط عليها ومحاولة احراز انجاز ما فيها، وهنا ستتجه نحو خيار الانخراط مباشرة عسكريا في الصراع الدائر هناك. ومحاولة احتواء التطور على الساحة المصرية لجعل تطور الاحداث فيها لا يبتعد كثيرا عن المسار الذي تحاول ترتيبه في المنطقة. بات من الواضح ان القوى الاقتصادية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات اخذت تنظر إلى المنطقة ليس وفق الخرائط السياسية التي ترتبت وفق ((سايكس- بيكو))، بل وفق ((مناطق ثروة)) وكمجال حيوي لاستثمار اقتصادي طويل الامد، تحت غطاء كيانات عرقية وأثنية، خارج إطار ((الدولة الوطنية)) المركزية القوية التي تقبض على مقاليد التحكم المركزي بالنشاط الاقتصادي، فتنصب كل الجهود اليوم من أجل القضاء عليها تمهيدا للاستثمار المباشر من قبل هذه الشركات وبالاتفاق مع زعماء محليين، مما يسهل فرض شروط تحقق اكبر المكاسب والارباح لهذه الشركات. وهكذا بدأت تباشير تفتيت الكيانات السياسية السابقة (كما حدث في السودان مثلا بشكل قانوني معترف به دوليا)، وتلك الانقسامات العرقية والدينية والمذهبية والقبلية على ارض الواقع تمهيدا لتكريسها مستقبلا بأطر سياسية معترف بها. ولا يذهبن الظن أن ما يجري يندرج تحت صيغة نظرية المؤامرة، بل هي استراتيجية وتخطيط بعيد المدى تم الاعلان عنه علنا والترويج له في مناسبات عديدة، فما يندرج تحت عنوان نظرية المؤامرة شرط تنفيذه الاساسي هو سريته، والذي نلمسه فيما يجري يتم في وضح النهار وتوظف له جهود سياسية وعسكرية واعلامية هائلة. والفرق كبير جدا بين استراتيجية يجري تنفيذها على مدى زمني طويل، وبين مؤامرة يتم الاعداد لها سرا وتنفذ بشكل مباغت ومفاجئ.

   إذن ما علاقة كل ذلك بموضوعنا الأساسي (البحث عن البطل)، أن الشروط الموضوعية للحراك الثوري غير قادرة لإحداث الانتقال المرغوب فيه إلى تشكيلة اقتصادية اجتماعية حديثة، بسبب دمار الاقتصادات الطبيعية المحلية، والقوى الاقتصادية المحلية على الاغلب تمارس انشطة اقتصادية مكملة أو تسويقية أو خدمية للشركات العالمية الكبرى، والدولة تمضي إلى الضعف والهزال والتخلي عن ادوارها الاقتصادية. وكل ذلك يجعل القوى الاجتماعية عائمة وهائمة وقوة عمل معطلة، مما ينعكس سلبا على أي دور ثوري يمكن ان تقوم به. وتبقى فئات الشباب المتأثر بافكار التقدم والتطلع الى حياة عصرية بحكم احتكاكها الدائم بالعالم المتقدم بواسطة وسائل التواصل الحديثة، ولكنها تفتقر للخبرة والقدرة على التجمع والتنظيم. وإن حدث وعبّئت قطاعات اخرى من الشعب لفترة من الزمن فلن تسعفها المطاولة وافتقارها الى النفس الطويل والخبرات الكافية، أمام محترفي السياسة المخضرمين والمرتبطين بالمصالح المالية المحلية والاقليمية والدولية، والذين سرعان ما سينهكون فئات الشباب بمناوراتهم والاعيبهم ويبددون الطاقة الثورية في مسارات مشتتة مما يفقد الزخم الثوري قدرته واستمراريته، فيحل الاحباط واليأس محل الحماسة الثورية. وكذلك ضعف التنظيمات المهنية أو خضوعها لقوى تقليدية، وتهافت ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني. كل هذه العوامل يضاف اليه عامل اخر مهم الا وهو اعتماد نسبة كبيرة من افراد المجتمع في تحصيل اسباب عيشهم على نشاطات اقتصادية يومية على الاغلب فردية وخدمية يصعب معها اقناعهم بان التغيير سيعود عليهم بالنفع لاحقا، مما يجعلهم غالبا في الصف المضاد لأي تحرك احتجاجي يعطل مصالحهم اليومية. وقد يصل الامر بهذه الفئات حد الوقوف موقفا معاديا صريحا من اي حراك ثوري. ويكونون هم في اول الصفوف المطالبة بـ (بطل) يؤمن الاستقرار والامن ويسهل لهم عملية كسب رزقهم اليومي. من هنا نرى الحراك الثوري يبدأ بموجة عارمة ما تلبث أن تنشطر وتتشظى الى حد التلاشي وفي معظم الاحيان تتحول الى تحرك مدان يجب وضع حد له. ولن يجد هؤلاء مفرا من المناداة ببطل ينقذ الموقف ويعيد الامور إلى نصابها ويحقق الاستقرار. ويجب ألاّ يفوتنا تأثير العامل الثقافي التفليدي النابع من الايديولوجية الدينية، ودورها في ترسيخ فكرة (الراعي والرعية) من هنا، يكون من السهولة بمكان بعد كل موجة ثورية عارمة اللجوء الى شخصية وغالبا ما تكون من المؤسسة الاكثر تماسكا في المجتمع وهي المؤسسة العسكرية، وفي حال ضعفها، يتم اللجوء الى الشخصيات الوجاهية التقليدية من رجال دين او زعماء عشائر. ونتساءل اين دور الاحزاب ذات التوجهات والافكار الحديثة؟ فللاسباب نفسها التي ادت الى تراجع الاقتصاد والانشطة الانتاجية يتراجع دور هذه الاحزاب، وتحل محلها أحزاب متماهية مع التوجهات الدينية والعشائرية، ووفقا لمستوى تفاوت وتطور او تخلف النشاط الاقتصادي لهذا البلد او ذاك. وهكذا تؤول الامور الى ان ترتفع الأصوات عالية بالمطالبة بالبطل المنقذ والمخلص وانتظاره بكل شوق كاسهل واقصر طريق للخلاص من هذا الوضع المعقد الذي بات لا يوفر الحد الادنى من الأمن والاستقرار. وبكل أسى نرى المنطقة اليوم تنزلق إلى كيانات صغيرة هشة، ومجتمعاتها تتشظى إلى ما يشبه (جماعات) أبعد ما تكون عن مفهوم المجتمعات بالمعنى الحديث. هذه الصورة القاتمة التي تسود المنطقة، وهي تغرق بالمآسي والدماء، هي الأخصب والأنسب للاتجاه نحو الدعوة إلى بطل ومنقذ ومخلص، بعد أن فقد الافراد القدرة على التحكم والسيطرة على مصائرهم أو أقدارهم، وصاروا وقودا دائما لموت يومي ومحتّم !!!                    
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نبيل محمود، مأزق الربيع العربي، الحوار المتمدن، العدد:4135- 2013/6/26 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=365922

(2) هيغل، فنومينولوجيا الروح، ت.وتقديم:د.ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2006 ، ص 199.
(3) نبيل محمود، مهارة إنتاج الآثام!، الحوار المتمدن، العدد4185-  15/8/2013  المحور: مواضيع وابحاث سياسية 
(4) نبيل محمود، مأزق الربيع العربي، الحوار المتمدن، العدد:4135- 2013/6/26 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=365922  
  
 27آب- أغسطس 2013