الاثنين، 4 نوفمبر 2013

رئيسان وراء القضبان! والشعب في الشوارع..



( بمناسبة مثول الرئيس السابق محمد مرسي أمام القضاء, أعيد هنا نشر هذا المقال المنشور في الحوار المتمدن.. بتاريخ   27/7/2013 )

إن التمييز بين الأبيض والأسود، وظيفة البصر الأساسية، أمّا قراءة الرمادي فهي مهمة البصيرة والعقل الجوهرية!. لم يحدث في تاريخنا (بما تسعفني به معلوماتي) أن كان هناك رئيسان، في الوقت نفسه، وراء القضبان، في أكبر دولة عربية. والأهم هو أنهما انتهيا إلى هذا المصير بقوة الإرادة الشعبية، وليس بمناورات أو مؤمرات خصومهم السياسيين فحسب. إننا هنا في ((لحظة)) فارقة من لحظات الوعي لدى الإنسان، لحظة تطور نوعي وانتقال جذري في الوعي. لقد حُبس العقل وحُجِر عليه في تاريخنا وثقافتنا طويلا في قفص اسمه ((الإجماع)) وعدم الخروج على الحاكم و((النص))، وهي بنية ذهنية تلائم كثيرا الشعوب التي يُنظر إليها، وتنظر إلى نفسها، باعتبارها ((رعايا)) وليس كمواطنين في دولة حديثة، خاضعة لنخب سياسية وفكرية هي التي لها حق التقرير والتفكير ((أهل العقد والحل)). هذا الخروج الجماعي للأفراد بمصر يؤرخ عصرا مجيدا لإنسان منطقتنا وتطورا نوعيا لوعيه بضرورة المشاركة في قضايا الشأن العام، وعدم ترك الأمور وتصريفها لنخبة أو قائد.

نعم انها لحظة شديدة التعقيد والالتباس وتصاحبها الكثير من التضحيات والدماء، وما ذلك إلاّ لأنّ المجتمعات لم تتوصل بعد إلى آليات تطوّر خارج إطار المآساة! ولأنّ تصفية الحساب مع الماضي (والأحزاب الدينية هي خير ممثل للماضي) هذه المرة جذرية. إن قيم الحداثة والدولة الحديثة في منطقتنا كانت تتم لحد الآن بصورة نخبوية، وها أن الأفراد يكتشفون كم كان هذا مكلّفا ومخيّبا للآمال، ما أن نتقدم خطوة حتى ننكص خطوات. ولكن لماذا مصر؟ ان العامل الديموغرافي المهم الذي بات فيه الشباب يمثلون أغلبية المجتمع هو من أهم العوامل التي تساهم في حدث اليوم. 

إن التحالف الحالي بين الجيش وأوسع الفئات الاجتماعية وخاصة الشباب ضد القوى الماضوية ليس اعتباطيا في هذه المرحلة. فمؤسسة الجيش (بمفهومها الحديث) هي من مؤسسات الدولة الحديثة، فيما الأحزاب الدينية بفكرها الماضوي المنتمي إلى الماضي لا ترى في الجيش إلاّ تلك المؤسسة المنتمية إلى دول القرون الوسطى، عندما كانت الجيوش إقطاعا للأمراء (أمراء الحرب) التي تسند سلطة قروسطية انقضى اوانها، فالجيش اليوم ليس جيش (أمراء) بل جيش (جنرالات)! وعلاقته بالدولة تختلف كليا عن دور الجيوش القديمة. فالحاكم القديم كان يقطع (أمراء) جيشه اقطاعاتهم ويمنحهم مزاياهم، أما الدولة الحديثة فمحكومة بقوانين أخرى وتراتبيات مختلفة ومنها مؤسسة الجيش. هذا ما لم ولن تفهمه الأحزاب الدينية بحكم ايديولوجيتها المتخلفة عن قوانين العصر الحديث ومتغيراته، حيث تقف مذهولة أمام هذا التحالف الواسع الذي نهض ضدها، وهذا ما يمكن أن يدفعها إلى ارتكاب حماقات كارثية، ولن تنسحب من المشهد إلاّ وقد كبّدت مجتمعاتها أثمانا باهظة، وأنهارا من الدم.

وأخيرا هل يعني هذا أن لا تناقضات بين (الجنرالات) والقوى المدنية في المجتمع؟ بالتأكيد إنها منتهى السذاجة لو تم النظر إلى الأمور بهذا الشكل. فالتناقضات موجودة وكثيرة، ولكنها محتجبة اليوم وراء محور الصراع والتناقض الرئيسي، وما أن ينتهي حسم الصراع الحالي، حتى ستتضح التناقضات بين الرؤية التقليدية ل(الجنرالات)، وبين الرؤية العصرية الطموحة لفئات الشعب وأهمها هي فئة الشباب. ولكن ليس من الإعتبارات الموضوعية أو (البريئة!) في المرحلة الحالية من الصراع، التنديد بالجيش وما قام به من تحرك، والتخويف منه وتصويره على أنه (انقلاب)، مادامت مؤسسة الجيش تسهم حاليا في الصراع متحالفة مع قوى التقدم ضد قوى التخلف والظلام. ولا خوف ابدا بعد اليوم على شعب تعلم أفراده أن يغادروا حالة (الرعايا)، إلى المطالبة بكون جميع أفراد الشعب (مواطنين)، سواء كانوا حكاما أو محكومين. ودليل حيوية ووعي هذا الشعب أنه قد أرسل إثنين من رؤوسائه إلى وراء القضبان وبوقت قياسي!!! أن شعبا كهذا سيكون قادرا حتما أن يوضّح ل(جنرالاته) حدودهم ويكبح طموحاتهم، أيضاً، ويضع حدا لتجاوزهم إن بدر منهم تجاوز ما في المستقبل! 

فالأفراد الذين خرجوا على ((النص)) لن يعودوا إلى أقفاصهم بعد اليوم. إنّ الشعب بوعيه يرتقي اليوم درجة نوعية، والحكّام والنخب يهبطون درجات!